هزت ليلة من أعمال الشغب فرنسا يوم السبت، بعدما التقت احتجاجات طلابية مستمرة منذ أسابيع على أوضاع المدارس مع مسيرات عمت البلاد ضد غلاء المعيشة، فاشتبك المحتجون مع الشرطة على بعد بضع مئات من الأمتار من قصر الإليزيه في باريس، وأضرموا النار في مبنى البلدية التاريخي في ليموج، ونهبوا متاجر في مرسيليا ومدن أخرى.
وتعهد الرئيس إيمانويل ماكرون برد حازم، وقال في بيان مسائي: "من يحطمون ويخربون، ومن يهاجمون المحافظات والمنشآت التجارية، ومن ينهبون بلدياتنا، سيُلاحقون قضائيا ويعاقبون"، مضيفا: "لا مكان للعنف في جمهوريتنا".
وحمّل رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو "مجموعات من اليسار المتطرف" مسؤولية تدبير أعمال العنف، وقال إن عناصر الشرطة واجهوا "عنفا بالغ الشدة"، محذرا من أن تتحول الاضطرابات إلى "تمرين تمهيدي" للانتخابات الرئاسية، وقال: "لن يرهبنا أحد".
حجارة وسيارة مقلوبة قرب الإليزيه
وكانت سيارات الشرطة الهدف الرئيسي في باريس، إذ طاردت مجموعات من المحتجين السيارات والشاحنات ورشقتها بالحجارة بينما حاولت الشرطة إخلاء الشوارع، وغطت الحجارة شارع كامباسيريس الواقع على بعد نحو 400 متر من مكاتب الرئاسة، حيث قُلبت سيارة، وشبّه مراسل صحيفة لو باريزيان المشاهد بـ"حرب عصابات في المدينة".
وفي الدائرة العاشرة، اقتحم محتجون مبنى البلدية خلال فعالية "أكتوبر الوردي" للتوعية بسرطان الثدي، فبقي نحو 100 شخص محاصرين داخله لبعض الوقت، وقال رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار إن "الغالبية العظمى" من المشاركين كانوا سلميين، لكنه ندد بالأضرار قائلا: "شوارع بأكملها دُمرت".
ومع حلول الظلام، تسلق متظاهرون تمثال جان دارك المذهب على صهوة جواد في وسط باريس، بينما رفع المارة هواتفهم لتصوير المشهد.
وفي موقع آخر من العاصمة، استحضر المتظاهرون الثورة الفرنسية بهتاف موجه إلى الرئيس، مذكرين بالملك لويس السادس عشر الذي أُعدم بالمقصلة، وصاحوا: "لنقطع رأس الملك. ماكرون، سنبدأ من جديد".
النيران تلتهم بلدية عمرها 143 عاما
وفي ليموج وسط فرنسا، قال شهود إن محتجين ملثمين أحرقوا سيارة للشرطة أمام مبنى البلدية، ثم كسروا النوافذ ودخلوا المبنى وأشعلوا النار فيه، وسرعان ما اجتاحت ألسنة اللهب السقف.
وقال محافظ أوت فيين موريس بارات إن السقف انهار على الطوابق السفلية في كل الأجزاء باستثناء الجناح الغربي، وإن ثلثي الواجهة اختفيا، واصفا خسارة المبنى البالغ عمره 143 عاما بأنها "كارثة على التراث" و"عمل متعمد من مثيري الشغب"، كما نُهبت متاجر في وسط المدينة.
موجة نهب من الإلكترونيات إلى الماركات الفاخرة
وفي مرسيليا، أفرغ مثيرو الشغب متجر فناك وخرجوا منه بالهواتف وأجهزة الألعاب والسماعات، فيما نُهبت عشرات المتاجر الأخرى في المدينة واشتعلت النار في متجر للأحذية الرياضية.
وأظهرت لقطات أيضا حشدا ملثما بسترات ذات قلنسوات يكسر باب متجر لويس فويتون.
وأُضرمت النار في مكتب سياحي في ليون، واقتُحم المقر الرسمي لمحافظ جيروند في بوردو، ما استدعى نشر وحدة "رايد" التكتيكية التابعة للشرطة، واقتحم محتجون مبنى البلدية في ليل، فيما أفادت تقارير بأن متظاهرا في سانت إتيان فقد يده بسبب قنبلة للشرطة.
واستمرت المعارك بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب لساعات في مدن عدة، وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع على حشود رشقتها بالحجارة والزجاجات.
ولم يؤيد جميع المحتجين العنف، إذ أظهر مقطع مصور رجلا هاجم رجال الإطفاء وهو يُطرح أرضا ويتعرض للضرب على أيدي متظاهرين آخرين.
كيف تحول احتجاج مدرسي إلى انتفاضة وطنية
وقدرت الكونفدرالية العامة للعمل، أكبر نقابة في فرنسا، عدد المشاركين بنحو 800 ألف، بينما أحصت وزارة الداخلية 550 ألف متظاهر، وأعلنت احتجاز نحو 400 شخص حتى المساء، وكانت حركة السترات الصفراء والنقابات قد دعت الطلاب إلى الانضمام إلى الاحتجاج الحاشد يوم السبت.

وبدأت الاضطرابات في منتصف سبتمبر، عندما أغلق طلاب مدرسة ثانوية في كريتاي قرب باريس مدخلها عقب إضراب للمعلمين بسبب نقص الكوادر والموارد، وتشمل شكاوى الطلاب نقص المعلمين واكتظاظ الفصول بما بين 32 و35 طالبا وتداعي المباني ووصول الحرارة في الفصول إلى 40 درجة مئوية خلال موجات الحر الصيفية وضغط منصة القبول الجامعي "باركورسوب"، فيما تلقي النقابات باللوم على خفض الميزانية وإغلاق المدارس.
وانتشرت عمليات الإغلاق في أنحاء البلاد ووصلت إلى الجامعات مطلع أكتوبر، وبحسب وزارة العدل احتُجز أكثر من 5 آلاف شخص حتى 6 أكتوبر، 87% منهم قاصرون، وعلقت الحكومة استخدام القنابل الصوتية بعدما فقد فتى في الخامسة عشرة يده في لانس، وكلف لوكورنو وزراءه بتقديم مقترحات أولية بحلول نهاية أكتوبر.
وتردد صدى الاحتجاجات خارج فرنسا، إذ أطلقت شرطة ميلانو الغاز المسيل للدموع على متظاهرين يوم السبت، واندلعت مواجهات في بروكسل أيضا، وكانت الأمم المتحدة قد أعربت سابقا عن قلقها من العنف.