تسلّط استعدادات كوريا الجنوبية لإرسال عناصر عسكرية إلى مضيق هرمز الضوء على بُعد التعاون الأمني بين الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية خارج شبه الجزيرة الكورية. كما تبرز مناورة «فريدوم إيدج» المقرر إجراؤها قبالة جزيرة جيجو بوصفها انعكاسًا للتنسيق الثلاثي في ساحة مختلفة.
الهيكل الثلاثي يتحول إلى إطار عملياتي
تكشف مناورة «فريدوم إيدج» المقرر أن تجريها الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية قبالة جزيرة جيجو بين 7 و11 سبتمبر عن الترجمة العملية لتعهدات الدول الثلاث الأمنية. ومنذ إنشاء الإطار الثلاثي في كامب ديفيد عام 2023، اتسع نطاق المناورات تدريجيًا.
وتُعد المناورة المقرر تنظيمها هذا العام العرض الأكثر تطورًا للتعاون الثلاثي حتى الآن. ولا تنبع أهميتها من حجمها فحسب، بل من نقلها التنسيق الأمني إلى أرضية أكثر استدامة وقابلية للتطبيق.
خطة كوريا الجنوبية بشأن مضيق هرمز
تستعد حكومة سيول لإرسال طائرة الدورية البحرية P-8A بوسيدون وسفينة دعم لوجستي وفريقًا تابعًا للبحرية لإبطال مفعول المتفجرات إلى مضيق هرمز. وبينما تتواصل الاتصالات بشأن نطاق المهمة واستخدام الموانئ، لم يُتخذ القرار النهائي بعد، وستُعرض المهمة المحتملة على موافقة البرلمان الكوري الجنوبي.
ومن المتوقع أن تُنفذ المهمة في إطار المراقبة البحرية والدعم اللوجستي وأمن الملاحة، بدلًا من الانخراط القتالي المباشر. وقد يتيح هذا النهج لكوريا الجنوبية تقديم وجودها في المنطقة بوصفه إسهامًا في أمن الملاحة البحرية، لا مشاركة في الحرب.
تمتلك كوريا الجنوبية ست طائرات من طراز P-8A بوسيدون، وقد جرى الحصول عليها أساسًا لمراقبة أنشطة الغواصات الكورية الشمالية. وقد يعني إرسال جزء من هذه الطائرات إلى الخليج العربي تقاسم سيول قدراتها المخصصة لمجال مهامها الأساسي.
خط الطاقة وتوقعات واشنطن
يمر أكثر من 60% من واردات كوريا الجنوبية من النفط الخام عبر مضيق هرمز. ولذلك فإن عدم تعطل الملاحة في المضيق يكتسب أهمية بالنسبة إلى أمن الطاقة في البلاد.
لكن من الصعب تفسير الاستعدادات الخاصة بهرمز بأمن الطاقة وحده. فقد تسارعت الاستعدادات بعد رسائل من واشنطن تربط موقف سيول من الملف الإيراني بمستقبل التعاون العسكري، ما يسلّط الضوء على تأثير روابط التحالف في القرار.
ويتسع تقاسم الأعباء الذي تتوقعه الولايات المتحدة من حلفائها في آسيا ليشمل، إلى جانب تخصيص الدول موارد أكبر لدفاعها، المشاركة في مسؤوليات خارج محيطها الأمني القريب.
ويبدو أن هذا التغيير ظهر في اليابان في وقت أبكر وبصورة أوضح. فقد ربطت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي أي تدخل محتمل في تايوان ببقاء بلادها، ما يشير إلى عتبة مهمة في مفهوم طوكيو للأمن بعد الحرب. وفي المقابل، قد تتخذ اليابان موقفًا أكثر تحفظًا بشأن إرسال سفينة حربية إلى مضيق هرمز، مبرزة القيود الدستورية والقانونية المفروضة عليها.
وقد يجعل غياب قيد دستوري مماثل في كوريا الجنوبية، مع خضوع أي مهمة محتملة لموافقة البرلمان، سيول أكثر انفتاحًا على مطالب واشنطن خارج المنطقة. غير أن العلاقات الاقتصادية مع الصين، وموافقة البرلمان، وتصور الرأي العام الداخلي للأمن تحدد حدود هذا الانفتاح.
سعي سيول إلى الاستقلالية الاستراتيجية
يُقدَّر مستوى تأييد التسلح النووي في كوريا الجنوبية بنحو الثلثين. ويشير ذلك إلى أن خيارات الردع الأكثر استقلالية تجد صدى لدى المجتمع، بالتزامن مع استمرار الروابط الأمنية مع الولايات المتحدة.
ويبدو الهيكل الناشئ شبكة أمنية تتعمق عبر تعزيز قابلية التشغيل البيني، وتزداد فيها أهمية المحور البحري، بدلًا من كونها تحالفًا عسكريًا جديدًا بالمعنى التقليدي. كما يُظهر تناول شبه الجزيرة الكورية ومضيق تايوان ومضيق هرمز ضمن الخط الاستراتيجي نفسه ازدياد ترابط الحسابات الأمنية الإقليمية.
وسيكون من المهم في الفترة المقبلة معرفة ما إذا كانت مناورات مثل «فريدوم إيدج» ستتوسع من سيناريوهات الدفاع الصاروخي والتركيز على كوريا الشمالية إلى حماية خطوط النقل البحري. وتأتي ردود الفعل المختلفة لليابان وكوريا الجنوبية على هذا التوسع، إلى جانب أوجه عدم اليقين بشأن مستقبل الضمان الأمني الأمريكي، ضمن أبرز العوامل التي قد تؤثر في سعي الحلفاء إلى الاستقلالية الاستراتيجية.