كشفت جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة الأمن الداخلي في مجلس الشيوخ بواشنطن العاصمة، عن الاستقطاب السياسي حول الاستجابة للجائحة وأصل الفيروس مرة أخرى. وشكلت الجلسة التي أدلى فيها الدكتور أنتوني فاوتشي، المدير السابق للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية (NIAID)، بشهادته، مسرحاً للانتقادات التي طالما وجهها أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون.
وقبل الجلسة، اتهم الرئيس دونالد ترامب، فاوتشي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بالتورط في عملية تستر لصالح الصين. وجدد الجمهوريون، بقيادة رئيس اللجنة السيناتور راند بول، مزاعم تسرب فيروس SARS-CoV-2 من مختبر في مدينة ووهان الصينية.
مزاعم البيت الأبيض والتفنيد العلمي
كان البيت الأبيض قد زعم العام الماضي، استناداً إلى تقرير أعده الجمهوريون، أن الفيروس يحمل "خاصية بيولوجية غير موجودة في الطبيعة"، وأن جميع الحالات بدأت "بمدخل واحد". غير أن خبراء أكدوا خطأ هذين الادعاءين. وأوضح البروفيسور جويل ويرثيم من جامعة كاليفورنيا، أن آلية دخول الفيروس إلى الخلايا تظهر بشكل طبيعي لدى فيروسات كورونا أخرى. وكشفت دراستان نُشرتا عام 2022، أن الفيروس انتقل إلى البشر عبر مسارين مختلفين على الأقل.
حق فاوتشي في الصمت وسجلات مذكراته اليومية
ولفت فاوتشي، البالغ من العمر 85 عاماً، الأنظار في جلسة الأربعاء بعدما استخدم حقه الدستوري في الصمت نحو 100 مرة. وكان فاوتشي، الذي أصدر الرئيس جو بايدن عفواً عنه في وقت سابق، قد قال إن الجلسة محاولة لنصب فخ له. فيما زعم أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون أن سجلات مذكرات فاوتشي الخاصة تظهر أنه أدلى بتصريحات مضللة للجمهور في الأيام الأولى للجائحة.
وفي مذكراته، كتب فاوتشي عن اجتماع في فبراير 2020 أنه لم يكن هناك "إجماع كامل" حول احتمال أن يكون الفيروس من صنع الإنسان. كما أشار في مذكرة بتاريخ 26 يناير 2020، إلى أن أول إصابة لم تكن مرتبطة بسوق الحيوانات الحية في ووهان، وأن السوق كان "ناشراً وليس مصدراً". وشدد محامو فاوتشي على أنه لم يصف نظرية التسرب المختبري بأنها "نظرية مؤامرة"، بل رفض فقط بعض نظريات المؤامرة المرتبطة بها.
جدل المنشأ في الأوساط العلمية
الرأي السائد في الأوساط العلمية هو أن الفيروس انتقل على الأرجح من حيوان إلى البشر عبر الطريق الحيواني المنشأ. وأظهر استطلاع أُجري بين علماء الفيروسات في عام 2024، أن غالبية المشاركين يرون أن الانتقال الطبيعي أكثر ترجيحاً من التسرب المختبري، لكن لا يمكن استبعاد الفرضية المختبرية بالكامل. كما أشار تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية (WHO) عام 2025 إلى أن الأدلة الحالية تشير إلى قفزة حيوانية المنشأ، لكنه أضاف أن جميع الفرضيات يجب أن تبقى مطروحة.
اتهام بمناورة سياسية قبل الانتخابات
ويجادل الديمقراطيون بأن الجلسة التي عُقدت قبل ثلاثة أشهر فقط من انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، هي مناورة سياسية. واتهم غاري بيترز، العضو الديمقراطي البارز في اللجنة، الجمهوريين بـ "إعادة محاكمة التاريخ" و"جعل شخص واحد كبش فداء".
تآكل الثقة في الرأي العام
وكشف استطلاع أُجري في يونيو 2026 أن الثقة بالمؤسسات الصحية الفيدرالية شهدت انخفاضاً حاداً منذ تولي ترامب منصبه. وقال 50 في المئة فقط من المشاركين إنهم يثقون بتوصيات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، مقارنة بـ 77 في المئة في ربيع 2025. ويرى نحو 69 في المئة من المشاركين أن التوصيات الصحية الفيدرالية تتأثر بشكل مفرط بالآراء الشخصية للقادة.
تقييم الخبراء
وقال ستيفن موريسون من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الجلسة "انعكاس للانقسامات الحزبية العميقة"، لكنها لم تقدم معلومات جديدة. وحذر موريسون من أن نهج الجمهوريين تجاه فاوتشي قد يقلل من رغبة كبار العلماء في العمل بالحكومة. كما كشفت مذكرات فاوتشي عن بعض الأدوار التي قام بها خلف الكواليس والتي لم تُعرض على الجمهور، مثل نصائحه لعمدة نيويورك بإغلاق المدارس.