في بريطانيا، يقف مسلسل الأطفال الروسي "ماشا والدب" في قلب جدل سياسي بعد أن أثار نواب مزاعم حول استخدامه كأداة للقوة الناعمة والدعاية. ويطالب بعض البرلمانيين بمراجعة بث المسلسل على المنصات الرقمية. من جانبها، أكدت شركة "أنيم أكورد" المنتجة أن العمل ترفيهي بحت ولا يتضمن أي رسائل سياسية.
ويرى النواب المنتقدون للمسلسل أن "ماشا والدب" يُعد إحدى أدوات القوة الناعمة الروسية، ويرسم صورة إيجابية عن روسيا لدى الأطفال. ويستندون في مزاعمهم هذه إلى ارتداء الشخصية الرئيسية في بعض الحلقات قبعات وأزياء عسكرية على الطراز السوفيتي، فضلاً عن وصول العمل إلى جمهور واسع حول العالم.
أفلام الكرتون وتاريخ الدعاية
وفقاً للخبراء، لطالما نُظر إلى أفلام التحريك على أنها ليست مجرد ترفيه للأطفال، بل أدوات للقوة الناعمة تشكل صورة الدول وتنقل القيم. وبعد الحرب الروسية الأوكرانية، تزايدت الحساسية في الغرب تجاه المنتجات الثقافية الروسية، حتى أن الأعمال التي لا تحمل رسائل سياسية مباشرة باتت عرضة لمثل هذه التساؤلات.
جبهة الرسوم المتحركة في الحرب العالمية الثانية
ليس توظيف أفلام الكرتون لأغراض سياسية بالأمر الجديد. فخلال الحرب العالمية الثانية، أدركت الحكومات أن الرسوم المتحركة تصل إلى الجماهير بفعالية أكبر من الخطابات الرسمية. في الولايات المتحدة، أنتجت ديزني أفلاماً مثل "وجه الفوهرر" (Der Fuehrer's Face) الذي يسخر من أدولف هتلر والنظام النازي، و"تعليم للموت" (Education for Death) الذي ينتقد نظام التعليم النازي. كما شجعت اليابان الأطفال على دعم الجيش والإمبراطور من خلال فيلم التحريك "موموتارو: البحارة المقدسون" (Momotaro: Sacred Sailors).
التنافس الإيديولوجي في الحرب الباردة
بعد الحرب، أصبحت أفلام الكرتون جزءاً من الصراع الإيديولوجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ووفقاً لوثائق رفعت عنها السرية في التسعينيات، مولت وكالة المخابرات المركزية (CIA) سراً فيلم التحريك "مزرعة الحيوانات" (Animal Farm) المقتبس عن رواية جورج أورويل عام 1954، وجرى تغيير النهاية المتشائمة للرواية إلى خاتمة أكثر تفاؤلاً. ينتهي الفيلم بثورة الحيوانات من جديد، وكان الهدف من هذا التعديل تشجيع المقاومة ضد الأنظمة الشيوعية.
أما الاتحاد السوفيتي، فقد أنتج عبر أضخم استوديوهاته "سويوز مولتفيلم" عشرات الأفلام التي تمجد العمل الجماعي والولاء للدولة والتعاون. كانت هذه الأعمال، وإن لم تكن معادية للغرب بشكل مباشر في أغلب الأحيان، تهدف إلى غرس القيم الاشتراكية من خلال رسم نموذج المواطن السوفيتي المثالي.
قراءات سياسية راهنة
أما اليوم، فقد تتحول أفلام الكرتون إلى مادة للتأويل السياسي حتى في الأعمال التي لم يقصد منتجوها أي غرض إيديولوجي. ففيلم "زوتوبيا" (Zootopia) من ديزني اعتبره كثير من المشاهدين استعارة عن العنصرية المؤسسية والتمييز، فيما اتهمت أوساط محافظة مسلسل "كابتن بلانيت ومحاربو الكوكب" (Captain Planet and the Planeteers) الذي اشتهر في التسعينيات بالترويج لدعاية بيئية مناهضة للرأسمالية.
يُنظر إلى الجدل المحتدم في بريطانيا حول "ماشا والدب" باعتباره أحدث مثال على هذا التحول. ويلفت الخبراء إلى أن أفلام الكرتون، التي كانت يوماً أداة دعائية مباشرة بيد الدول، باتت اليوم تكتسب معاني لم يتوقعها منتجوها بعد أن تُقرأ من منظور الصراعات الجيوسياسية والثقافية.