جاء الإعلان بشأن القدرات العسكرية الأمريكية في المدار على لسان وزير القوات الجوية تروي مينك في 14 سبتمبر 2026. وقال مينك إن قوات الفضاء الأمريكية تمتلك «أسلحة للسيطرة على الفضاء» في المدار. وأكد قائد قوات الفضاء الأمريكية الجنرال دوغلاس شيس الإعلان في اليوم التالي.
ولم يقدم مينك أو شيس معلومات عن نوع هذه الأنظمة أو عددها أو المدارات التي توجد فيها أو ما إذا كانت تتمتع بقدرات حركية. وتكمن أهمية الإعلان، بدلًا من تقديم منصة عسكرية جديدة، في إدراج الولايات المتحدة قدراتها القتالية المدارية، التي أبقتها في السابق إلى حد كبير طي الكتمان، ضمن خطاب ردع علني.
ما القدرات التي تشملها أسلحة السيطرة على الفضاء؟
قد يشير مصطلح «سلاح السيطرة على الفضاء» إلى مجموعة متنوعة من القدرات، وليس إلى نظام واحد. وتعرّف العقيدة التي نشرتها قوات الفضاء الأمريكية في عام 2025 السيطرة على الفضاء بأنها مجموعة الأنشطة الحركية وغير الحركية الرامية إلى منع الخصم من الاستفادة من إمكانات الفضاء، مع الحفاظ على حرية القوات الصديقة في استخدامه.
ويشمل هذا الإطار الحرب المدارية والحرب الكهرومغناطيسية والأنشطة السيبرانية، إلى جانب خيارات تعطيل أنظمة الخصم الفضائية أو إخراجها من الخدمة أو تدميرها عند الضرورة. ويشير إعلان مينك إلى قدرة مدارية تشغيلية واحدة على الأقل يمكنها إحداث تأثير نشط في أنظمة فضائية أخرى، وليس إلى قمر صناعي دفاعي فحسب.
لم تُكشف الخصائص التقنية
لا يمكن تحديد نوع المركبات المعنية على نحو قاطع، لأن خصائص الأنظمة لم تُكشف. ويتمثل أحد الاحتمالات في أنظمة مدارية مشتركة قادرة على الاقتراب من أقمار صناعية أخرى وتتبعها وتعطيل أنشطتها عند الضرورة.
وفي إطار «عمليات الالتقاء والاقتراب»، يمكن لقمر صناعي أن ينفذ تشويشًا كهرومغناطيسيًا من نقطة قريبة من الهدف، أو يعطل أجهزة الاستشعار مؤقتًا، أو يعرقل توجيه الهدف وعمله من خلال الاتصال المادي به. وتشمل الاحتمالات الأخرى أنظمة الحرب الإلكترونية والطاقة الموجهة العاملة من المدار.
وتبرز أنظمة الحرب الإلكترونية والطاقة الموجهة لقدرتها على إحداث تأثيرات مؤقتة وقابلة للعكس من دون الحاجة إلى تدمير مادي مباشر، فضلًا عن عدم تسببها في إنتاج حطام فضائي. ورغم أن أنظمة الاعتراض الحركي أو الاصطدام ممكنة تقنيًا، فإنها تُعد أقل احتمالًا في ظل التشديد على «عمليات مضادة للفضاء مسؤولة» لا تنتج حطامًا.

نهج الولايات المتحدة في الدفاع الفضائي
تحول مفهوم الولايات المتحدة للدفاع الفضائي خلال العقد الأخير من حماية الأقمار الصناعية بصورة سلبية وإعادة بناء النظام بعد الهجوم، إلى السيطرة النشطة على الفضاء. وكان تأسيس قوات الفضاء المستقلة في عام 2019 إحدى المراحل الرئيسية لهذا التحول.
وأصبح مفهوما «التفوق الفضائي» و«السيطرة على الفضاء» في صميم العقيدة الرسمية خلال الفترة 2024-2025. ويهدف هذا النهج إلى ردع قدرة المهاجم المحتمل على استخدام الفضاء قبل بدء الصراع، وتعطيلها مباشرة أثناء الصراع إذا اقتضت الضرورة.
التنافس المداري مع الصين وروسيا
لا يبدو أن سباق التسلح في الفضاء بدأ مع إعلان مينك. فالصين تستثمر، إلى جانب الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية التي تطلق من الأرض، في عمليات مدارية مشتركة. وأظهر التقاط القمر الصناعي الصيني SJ-21 لقمر صناعي من نوع BeiDou خارج الخدمة ونقله إلى مدار آخر في عام 2022 إمكانية استخدام تقنيات المناورة القريبة والأذرع الروبوتية في المهام المضادة للفضاء.
وفي عام 2024، وصفت الولايات المتحدة أنشطة الاقتراب والمناورة المنسقة التي نفذتها خمسة أقمار صناعية صينية بأنها «معركة جوية» في الفضاء. أما روسيا فتتبع مسارًا مختلفًا في تقنيات الحرب الإلكترونية ومكافحة الأقمار الصناعية.
وفي اختبار صاروخ نودول المضاد للأقمار الصناعية الذي أُجري في نوفمبر 2021، أُصيب القمر الصناعي Cosmos-1408 وتناثرت في المدار نحو 1,500 قطعة حطام قابلة للتتبع. كما أجرت أقمار المراقبة الروسية من سلسلتي Luch/Olymp وCosmos مناورات بالقرب من أقمار صناعية أجنبية.
وخلال الحرب الروسية الأوكرانية، ظهرت القيمة العملياتية للتشويش والخداع عبر نظام GPS، والتدخل الإلكتروني في الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والأنشطة السيبرانية الموجهة إلى البنية التحتية الفضائية التجارية. واتهمت واشنطن موسكو بتطوير نظام مضاد للأقمار الصناعية يمكنه حمل حمولة نووية، فيما نفت روسيا هذه الاتهامات. ونُقلت القضية إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في عام 2024، لكن لم تُستحدث لائحة ملزمة جديدة.
الغموض قد يزيد مخاطر التصعيد والحطام
قد يبعث إعلان وجود أسلحة في المدار برسالة مفادها أن أي هجوم يستهدف الأقمار الصناعية الأمريكية لن يمر من دون رد من جانب الولايات المتحدة، بالنسبة إلى الصين وروسيا. ومع ذلك، فإن إبقاء طبيعة الأنظمة سرية قد يدفع بكين وموسكو إلى تطوير مزيد من الأنظمة المضادة للأقمار الصناعية، والأقمار الصناعية الواقية، والليزر، وأجهزة التشويش، وأنظمة المناورة السريعة، استنادًا إلى أسوأ السيناريوهات.
وقد يكون قمر صناعي ينفذ مناورة قريبة في المدار بصدد تنفيذ مهمة خدمة أو مراقبة أو تزويد بالوقود، كما قد يكون يستعد لهجوم. وقد يؤدي عدم القدرة على فهم النية خلال فترة قصيرة إلى زيادة خطر تحرك أحد الطرفين بشكل استباقي لحماية أقمار صناعية حيوية للإنذار المبكر أو الاتصالات أو الملاحة.
قد يؤدي تدمير عدة أقمار صناعية كبيرة بوسائل حركية إلى تشكل آلاف القطع. وبما أن القطع الصغيرة ذات السرعة العالية قد تدمر أقمارًا صناعية أخرى، فقد تحدث تصادمات متسلسلة. ويمكن لمثل هذا التطور أن يؤثر في شبكات الاتصالات، والتنبؤات الجوية، والتوقيت المالي، ونظام GPS وخدمات الملاحة الفضائية الأخرى، فضلًا عن البنية التحتية للطيران والملاحة البحرية والطاقة.
الحدود القانونية والمسار المحتمل
تحظر معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 وضع الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في المدار، لكنها لا تحظر الأسلحة الفضائية التقليدية بصورة صريحة. وأثار ذلك نقاشًا بشأن تجاوز التطورات في تكنولوجيا الفضاء للقانون الحالي ومعايير السلوك القائمة.
ومن المتوقع خلال الفترة المقبلة إعطاء الأولوية لعدد كبير من الأقمار الصناعية الصغيرة بدلًا من الأقمار الكبيرة المعرضة للخطر، وللقدرة العالية على المناورة بدلًا من المدارات الثابتة، وللدفاع النشط بدلًا من الحماية السلبية، وللتدخلات الإلكترونية والسيبرانية والمدارية المشتركة بدلًا من التدمير المادي.
وفي هذا الإطار، تُعد «أسلحة السيطرة على الفضاء» مؤشرًا على تحول الفضاء إلى مجال للتنافس المباشر واستخدام القوة العسكرية عند الضرورة، أكثر من كونها نظام أسلحة جديدًا واحدًا.