أصبح خفض الولايات المتحدة بهدوء لوجودها العسكري في شرق أوروبا محور نقاشات أمنية بين الحلفاء خلال قمة الناتو في أنقرة. وقال وزير الدفاع الإستوني هانو بيكور، في تصريحات أدلى بها لصحفيين محليين قبل القمة، إن عدة مئات من الجنود الأمريكيين الذين نُشروا في بلاده خلال أشهر الشتاء انسحبوا، وإنه لا توجد مؤشرات واضحة على عودتهم.
وأوضح بيكور أن عدد الجنود الأمريكيين انخفض إلى أقل من 100، مشيراً إلى أن هذا العدد يعادل سدس القوات التي كانت متمركزة خلال فصل الشتاء، مع احتساب وحدات الدبابات. وأضاف الوزير، الذي كان قد قال في مايو إن القوات الأمريكية ستبقى في إستونيا، أنه لا يمكن ضمان أي شيء بسبب حالة عدم اليقين الأخيرة.
وقال مسؤولون من دول البلطيق وبولندا إن هذا الانسحاب جاء نتيجة مباشرة لإلغاء إدارة ترامب بشكل مفاجئ، الشهر الماضي، نشر نحو 5 آلاف جندي كان مقرراً في بولندا. وقد فاجأ القرار الحكومة البولندية وعدداً من العسكريين الذين كانوا يستعدون لعملية النشر. كما أدى الإلغاء إلى مغادرة نحو ألف جندي ليتوانيا في يونيو، من دون وصول بدلاء لهم.

ارتدى مندوبو دول البلطيق وبولندا في قمة الناتو بأنقرة شارات «نادي الخمسة في المئة»، في إشارة إلى تحقيق هدف الحلف للإنفاق الدفاعي. وكانت هذه الدول تعتقد أن هذا الوضع سيضمن لها دعماً عسكرياً أمريكياً دائماً. ووصف الأمين العام للناتو مارك روته القمة بأنها ناجحة، بسبب اتفاقات الدفاع الجديدة وزيادة الإنفاق الأوروبي. غير أن تنفيذ تعهدات من بينها ائتلاف للصواريخ بعيدة المدى بقيمة 50 مليار دولار، يضم 12 دولة، سيستغرق سنوات.
وشدد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث ومسؤول السياسات في البنتاغون إلbridge كولبي على نهج «الناتو 3.0»، الذي يرى ضرورة إعطاء الأولوية للصين الصاعدة، وأن على أوروبا أن تفعل المزيد بكثير للدفاع عن نفسها. وحتى القادة الذين يتعاملون مع ترامب بتشكك، مثل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، أشادوا بالرئيس الأمريكي لإجباره أعضاء الناتو على زيادة إنفاقهم.
المخاوف وراء التحول الاستراتيجي
في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن ترد موسكو بعد هجمات أوكرانية بعيدة المدى بطائرات مسيرة وصواريخ على الأراضي الروسية، تنسحب الولايات المتحدة من أكثر المناطق عرضة للخطر. ووفق تحليلات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تُقدّر احتمالات اندلاع مواجهة مميتة بين روسيا ودولة عضو في الناتو حتى نهاية عام 2026 بنحو 18 في المئة. وقال آل كارنس، وزير القوات المسلحة البريطاني السابق، خلال مؤتمر تشاتام هاوس الأسبوع الماضي، إن الوضع الاستراتيجي يمر بأخطر فترة منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
ومع ذلك، يرى معظم المحللين والمسؤولين أن مواصلة روسيا حملة «الحرب الهجينة» أكثر ترجيحاً من شن عملية عسكرية مباشرة.
وبدأت الولايات المتحدة أيضاً، في منتصف يناير، إجلاء أفراد من قواعد متقدمة في الشرق الأوسط بهدف خفض التوتر. ويرى معظم المراقبين أن الولايات المتحدة، بعد الانسحاب الكامل من سوريا والانسحاب الجزئي من العراق، لن تحتفظ مجدداً بأعداد كبيرة من الأفراد أو المعدات في دول مثل قطر والكويت. ونُقلت مهمة تنسيق مركز العمليات الجوية التابع للتحالف، الموجود في قاعدة العديد الجوية بقطر، إلى الولايات المتحدة. وتفضل واشنطن الآن نشر الطائرات المسيرة والطائرات في مناطق أكثر أمناً، مثل الأردن وإسرائيل وتركيا والبر الرئيسي الأوروبي.
وتشهد منطقة المحيط الهادئ ديناميكيات مماثلة. وتشعر حلفاء تقليديون مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية وتايوان والفلبين بالقلق من احتمال انسحاب أمريكي جزئي على الأقل من المنطقة. ويرى بعض الاستراتيجيين أن القواعد الموجودة في أوكيناوا وغوام ستكون مكشوفة بدرجة كبيرة أمام هجوم صيني. وبدلاً من ذلك، يُقترح نشر وحدات متحركة مزودة بصواريخ بعيدة المدى مثل أتاكمز، يمكنها تهديد البر الرئيسي للصين وسفنها.
وقال قائد القوات الجوية الألمانية هولغر نويمان إن على أوروبا زيادة مشترياتها من الأسلحة الأمريكية. ويعتقد مسؤولون ألمان أن التهديد الأكبر سيظهر في عام 2029. غير أن أولئك الذين يأملون في بقاء القوات الأمريكية في المنطقة بوصفها «سلكاً متفجراً» للردع يواجهون حقيقة أن هذا النهج قد لا يعود ناجعاً.