جذب أحدث تقرير أمريكي عن الوظائف الانتباه، ليس فقط لأن نمو الوظائف تجاوز التوقعات بفارق كبير، بل أيضًا بسبب التباين اللافت بين الرجال والنساء في سوق العمل.
وبحسب البيانات التي أصدرها مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (BLS) في 4 سبتمبر 2026، ارتفع عدد الوظائف في القطاع غير الزراعي بمقدار 162 ألف وظيفة خلال أغسطس.
وكان الرقم أقوى بكثير من توقعات الاقتصاديين. إذ توقع استطلاع أجرته رويترز زيادة بنحو 56 ألف وظيفة.
في المقابل، ظل معدل البطالة الوطني دون تغيير عند 4.1%.
لكن البيانات أظهرت، خلف الأرقام الرئيسية، اتجاهًا مختلفًا للرجال والنساء البالغين.

انخفاض البطالة بين النساء وارتفاعها بين الرجال
وفقًا لبيانات مكتب إحصاءات العمل، انخفض معدل البطالة بين النساء اللواتي تبلغ أعمارهن 20 عامًا فأكثر من 3.7% في يوليو إلى 3.5% في أغسطس.
أما بين الرجال البالغين، فقد اتخذ الاتجاه مسارًا معاكسًا.
وارتفع معدل البطالة بين الرجال الذين تبلغ أعمارهم 20 عامًا فأكثر من 3.9% في يوليو إلى 4.0% في أغسطس.
وجذب هذا التباين الانتباه، في وقت يناقش فيه اقتصاديون ومحللون ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي ما إذا كان الرجال والنساء يختبرون سوق العمل الأمريكي الحالي بصورة مختلفة.

هل حصلت النساء فعلًا على 98% من الوظائف الجديدة؟
انتشر ادعاء لافت عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد صدور تقرير الوظائف لشهر أغسطس.
وزعمت بعض المنشورات أن نحو 158 ألفًا من أصل 162 ألف وظيفة أُضيفت خلال الشهر ذهبت إلى النساء، بينما ذهبت نحو 4 آلاف وظيفة فقط إلى الرجال، ما أدى إلى القول إن النساء حصلن على نحو 98% من إجمالي الوظائف الجديدة.
لكن هناك مشكلة منهجية مهمة في هذا التفسير.
ويستند تقرير الوظائف الشهري الصادر عن مكتب إحصاءات العمل إلى مسحين منفصلين.
يجمع مسح المنشآت معلومات من أصحاب العمل، ويُستخدم لحساب التغيرات في عدد الوظائف في القطاع غير الزراعي. ويأتي رقم إضافة 162 ألف وظيفة في أغسطس، الذي جرى تداوله على نطاق واسع، من هذا المسح.
أما مسح الأسر، فيقيس العمالة والبطالة بين الأفراد، ويقدم تفصيلات ديموغرافية تشمل أرقام الرجال والنساء.
وبما أن المسحين يقيسان مفهومين مختلفين، فلا يمكن ببساطة تقسيم رقم 162 ألف وظيفة بين التغيرات في توظيف الرجال والنساء التي أبلغ عنها مسح الأسر.
وبعبارة أخرى، فإن القول إن «158 ألفًا من أصل 162 ألف وظيفة جديدة ذهبت إلى النساء» يخلط بين أرقام من مجموعتي بيانات إحصائيتين مختلفتين، ولا يصف بدقة ما يورده التقرير الرسمي لمكتب إحصاءات العمل.
ويحذر المكتب نفسه من أن للمسحين تعريفات ونطاقي تغطية ومنهجيات مختلفة.
ارتفاع إجمالي التوظيف بمقدار 569 ألفًا
يقدم مسح الأسر منظورًا آخر لما حدث في أغسطس.
ووفقًا للمسح، ارتفع إجمالي عدد العاملين في الولايات المتحدة بنحو 569 ألف شخص خلال الشهر.
كما توسعت القوى العاملة المدنية بوتيرة أكبر، بزيادة تقارب 683 ألف شخص.
وارتفع معدل المشاركة في القوى العاملة من 61.4% إلى 61.6%.
وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد الأمريكيين العاطلين عن العمل بنحو 115 ألفًا، ليصل إلى قرابة 7 ملايين شخص.
وبما أن القوى العاملة توسعت بدرجة كبيرة أيضًا، ظل معدل البطالة الوطني عند 4.1%.
ما القطاعات التي استحدثت وظائف؟
أظهر تقرير أغسطس أيضًا فروقًا كبيرة بين القطاعات.
وزاد التوظيف في خدمات الطعام وأماكن تقديم المشروبات بنحو 59 ألف وظيفة.
وأضاف قطاع التعليم في الحكومات المحلية نحو 42 ألف وظيفة، بينما زاد التوظيف في قطاع التصنيع بنحو 16 ألفًا.
وأضاف قطاع الرعاية الصحية نحو 13 ألف وظيفة.
وعلى العكس، خسر قطاع المعلومات نحو 23 ألف وظيفة خلال الشهر.
وتشير هذه الأرقام إلى أن جزءًا كبيرًا من نمو التوظيف في أغسطس تركز في أجزاء محددة من اقتصاد الخدمات والتعليم في القطاع العام، بدلًا من توزيعه بالتساوي بين القطاعات.
البطالة طويلة الأمد لا تزال مصدر قلق
رغم رقم الوظائف الأقوى من المتوقع، تضمن التقرير أيضًا مؤشرات على الضعف.
وكان نحو 1.9 مليون أمريكي عاطلين عن العمل لمدة 27 أسبوعًا أو أكثر في أغسطس.
وشكل العاطلون عن العمل لفترات طويلة نحو 27% من إجمالي العاطلين.
في المقابل، انخفض عدد الأشخاص الذين يعملون بدوام جزئي لأسباب اقتصادية بنحو 414 ألفًا، ليصل إلى قرابة 4.4 ملايين شخص.
وتوضح هذه الأرقام سبب عدم تقديم رقم الوظائف الرئيسي وحده صورة كاملة عن سوق العمل الأمريكي.

ماذا يعني ذلك للاحتياطي الفيدرالي؟
يحمل تقرير الوظائف الأقوى على نحو مفاجئ تداعيات على السياسة النقدية الأمريكية.
فإضافة 162 ألف وظيفة في القطاع غير الزراعي تجاوزت توقعات السوق بفارق كبير، وقدمت دليلًا إضافيًا على استمرار مرونة سوق العمل.
وبعد صدور التقرير، أعادت الأسواق المالية تقييم توقعاتها بشأن اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المتعلق بالسياسة النقدية في سبتمبر.
وقد يمنح سوق العمل الأقوى الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للإبقاء على سياسة نقدية أكثر تشددًا إذا ظل صانعو السياسة قلقين بشأن التضخم.
وارتفع متوسط الأجور بالساعة بنسبة 3.1% مقارنة بالعام السابق، وهو رقم آخر يراقبه مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي عن كثب عند تقييم الضغوط التضخمية.
هل يتراجع الرجال فعلًا؟
لا يكفي تقرير أغسطس وحده لاستنتاج أن الرجال الأمريكيين يُستبعدون بصورة منهجية من فرص العمل الجديدة.
لكن هناك تباينًا قابلًا للقياس بين الجنسين في أحدث أرقام البطالة.
فقد انخفض معدل البطالة بين النساء البالغات إلى 3.5% في أغسطس، بينما ارتفع بين الرجال البالغين إلى 4.0%.
وهذا الفرق حقيقي ويأتي مباشرة من البيانات الرسمية لمكتب إحصاءات العمل.
لكن الإحصاءات الرسمية لا تثبت الادعاء واسع الانتشار بأن النساء حصلن على 98% من الوظائف البالغ عددها 162 ألفًا والتي أُنشئت في أغسطس.
وينتج هذا الاستنتاج عن الجمع بين أرقام من مسحين مختلفين لمكتب إحصاءات العمل، ولم يُصمما للمقارنة بهذه الطريقة.
والسؤال الأهم هو ما إذا كان التباين الأخير بين ظروف توظيف الرجال والنساء سيستمر خلال الأشهر المقبلة.
فإذا استمر، فقد تصبح الفجوة بين الجنسين في سوق العمل الأمريكي قصة اقتصادية أكبر بكثير.