تحظى محتويات على منصة تيك توك تقدم الوحدة لا كمشكلة بل كخيار واعٍ ومصدر للسكينة باهتمام كبير. ويجمع صانعو المحتوى الذين يُطلق عليهم 'مؤثرو الوحدة' ملايين المشاهدات من خلال فيديوهات جمالية لأوقات يقضونها بمفردهم.
غالبًا ما تُظهر هذه المقاطع أشخاصًا يعتنون ببشرتهم في شقة أنيقة، أو يعدّون العشاء بمفردهم، أو يستلقون على سرير مرتب لمشاهدة التلفاز، بمصاحبة موسيقى هادئة وإضاءة دافئة. وتُنشر هذه المحتويات بعناوين مثل: 'تعيش وحيدًا بلا أصدقاء، هكذا تمضي ليلة السبت'.
لماذا يتجه الجيل زد نحو هذا المحتوى؟
يعزو المحللون شعبية هذا الاتجاه إلى الإرهاق الاجتماعي المتزايد بين الجيل زد. فالعمل عن بُعد، وارتفاع تكاليف المعيشة، وآثار ما بعد الجائحة، وتراجع التواصل المباشر، تدفع الشباب نحو فكرة الحياة الهادئة البعيدة عن 'الدراما'.
وفقًا لاستطلاع 'الوحدة في أمريكا' الذي أجرته مجموعة سيغنا عام 2025 وشمل أكثر من 7500 بالغ أمريكي، أفاد 57% من المشاركين بأنهم يشعرون بالوحدة، مع تسجيل نسب أعلى بين الجيل زد وجيل الألفية. ويكشف الاستطلاع أن التواصل الرقمي لا يعوّض العلاقات الإنسانية الحقيقية بالنسبة لأغلب الشباب، بل قد يزيد أحيانًا من الشعور بالوحدة وفقدان الثقة بالنفس.
حضور رقمي وغياب اجتماعي حقيقي
وفقًا للخبراء، لا تعني الوحدة التي تروج لها هذه المحتويات الانعزال التام عن العالم. إذ يمكن للشخص أن يكون نشطًا في الفضاء الرقمي من خلال مشاركة روتينه اليومي، لكنه يجد صعوبة خارج الشاشة في بناء علاقات اجتماعية عميقة وداعمة، مما يستحضر مفهوم 'الحشد الوحيد'.
تشير الباحثة الدكتورة كارولين دي غورمان من معهد مانهاتن إلى أن المنصات لا تكتفي بعرض الوحدة فحسب، بل تكافئ من يحوّلها إلى هوية رقمية. وبرأي دي غورمان، قد يدفع هذا الوضع الشباب إلى تقبّل غياب العلاقات العميقة كأسلوب حياة طبيعي، والانسحاب اجتماعيًا بشكل أكبر.
الوحدة كمشكلة صحية عالمية
يتزامن هذا الاتجاه مع تصنيف الوحدة كمشكلة صحية عالمية. فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية في نوفمبر 2023 عن تشكيل لجنة دولية لمكافحة الوحدة والعزلة الاجتماعية. وتُظهر أبحاث المنظمة أن ما بين 5% و15% من المراهقين حول العالم يعانون من الوحدة، مع ترجيح أن تكون النسب الحقيقية أعلى.
تحذر منظمة الصحة العالمية من أن ضعف الروابط الاجتماعية لا يقتصر على التسبب بالقلق والاكتئاب وتراجع جودة الحياة فحسب، بل يمهّد أيضًا لمخاطر جسدية مثل السكتة الدماغية والخرف وأمراض القلب. وتشير دراسات حديثة إلى أن الجيل زد هو الأكثر شعورًا بالوحدة، ليس بالضرورة بسبب العزلة الجسدية، بل بسبب العلاقات السطحية وعجز التفاعل الرقمي عن تلبية الحاجة الإنسانية الحقيقية للتواصل.
يشدد الخبراء على أن قضاء الوقت بمفردك ليس أمرًا سلبيًا دائمًا، بل قد يكون مصدر سكينة لكثيرين. لكن القلق الحقيقي ينشأ حين تتحول الوحدة إلى نمط حياة دائم، ويُستبدل التفاعل الاجتماعي الحقيقي كليًا بالإعجابات والتعليقات الرقمية. فالقضية الجوهرية ليست في 'حب الوحدة'، بل في توازن الحياة الاجتماعية، وما إذا كانت التجربة الرقمية قادرة على أن تحل محل الحاجة الإنسانية الأساسية للانتماء.